❗خاص❗ ❗️sadawilaya❗
كتب حسن علي طه
لم تعد صورة آكلة لحوم البشر تلك الكائنات العارية في غابة نائية، تحمل عظمة على كتفها وتصرخ في وجه السماء.
الصورة اليوم أكثر أناقة: بدلة إيطالية مفصّلة مزينة بربطة عنق أمريكية، وعطر باريسي فاخر.
الحضارة بكامل أناقتها.
كنا صغارًا حين رسمت لنا حكايات الغولية وليلى والذئب ملامح الوحش خارج حدود الحضارة.
ثم كبرنا، فقرأنا في القرآن الكريم تشبيه المغتاب بمن يأكل لحم أخيه ميتًا،
بقوله تعالى: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ).
ففهمنا أن الافتراس قد يكون معنويًا قبل أن يكون جسديًا.
لاحقًا عرفنا أن هناك أقوامًا من أكلة لحوم البشر، كقبيلة الكورواي (بابوا)،
وقبائل الماتسيس (الأمازون)، وطائفة الأغوري (الهند).
هنا كان التجسيد الفعلي العملي لآكلي لحوم البشر.
فربطنا الهمجية بالتخلّف، والافتراس بالجهل، وظننا أن التحضّر حصانة أخلاقية.
لكن التاريخ يبتسم بسخرية لكل من صدّق أن البدلة تعني الرحمة، وأن البروتوكول يعني الطهارة.
المأساة ليست في غابة بعيدة، بل في عوالم مغلقة، خلف جدران سميكة، حيث تختلط السلطة بالمال، والنفوذ بالصمت.
هناك، يؤكل اللحم لا للضرورة بل للاستعباد، وتُلتهم البراءة، وتُذبح الطفولة، وتُوارى الحقيقة تحت طبقات من العلاقات والصفقات.
الوحشية لم تمت؛ هي فقط تعلّمت آداب المائدة.
لم تعد تصرخ، بل تبتسم للكاميرات.
جزيرة وحوش، أكلة لحوم البشر، وليست أي بشر، فالأطفال ذكورًا وإناثًا أكثر الولائم المرغوبة، اغتصابًا وقتلًا وأكلًا مشويًا.
وهذا ما يفسر اختفاء عشرات الآلاف من الأطفال حول العالم.
أكابر القوم: رؤساء، أمراء، ملوك، رجال مال وأعمال، أسماء لامعة في عوالم مختلفة، سيدات يُفترض أنهن عفيفات طاهرات لانتمائهن لبلاد كانت قيادة السيارة فيها ممنوعة حتى الأمس القريب،
ولا يمكن أن تتخيلهن في حفلات مجون جماعية.
فنانين، إعلاميين، ساسة، عجزة وهرم، نجوم شاشات الإعلام، منظرو حقوق البشر، راسمو مستقبل الأمم، حماة القيم والأخلاق.
جمعتهم القذارة والوحشية بأبشع ما لا يمكن وصفه، ولا يخطر على بال بشر ولا على بال إبليس حتى .
أكلة لحوم الأطفال في القرن الواحد والعشرين، في جزيرة الشيطان التي كشفتها ما يسمى وزارة العدل الأمريكية، وهي من العدل براء.
فكيف يمكن لوزارة عدل أن تتستر على هكذا معلومات كل هذه السنوات؟ والقاعدة تقول بشراكة كل من يحمي ويتستر على مجرم.
لماذا الآن؟ أم أن لوزارة العدل أبعادًا وأهدافًا شيطانية تشبه أفعالها؟
كم جزيرة ملفاتها في أدراج عدلكم القبيح سيكشف عن شياطينها لاحقًا؟
لم تعد تختبئ في الظلام، بل تصنع قوانين تنظّم الضوء.
وحين يُكشف بعض المستور، يتساءل الناس: لماذا الآن؟
ليس السؤال متى كُشف، بل كم من الحقائق دُفنت، وكم من الملفات أُغلقت لأن أسماءها أكبر من أن تُمس.
الحضارة لا تُقاس بماركات الثياب، بل بقدرة المجتمع على حماية أضعف أفراده.
وكل نظام يتستر على جريمة، أيًا كان اسمه، يخلع عن نفسه صفة العدل، ولو نقشها على أبوابه بحروف من ذهب.
أكلة لحوم البشر ليسوا فقط أولئك الذين يمضغون الجسد،
بل أولئك الذين يلتهمون الإنسان…
ثم يمسحون أفواههم بخطاب عن القيم.